موضوع شائع و للأسف الشديد أنه لا زال يحدث مراراً وتكراراً، نسمع عنه، ندافع، نحكم ونتكلم به، ولكن السؤال هنا، هل نعمل حقاً للحماية منه وتحقيق الوعي؟ ام لازلنا نخجل بالتكلم، خاصة ان حدث واختبرناه شخصياً أو مع أحد من أفراد العائلة؟
العنف الجنسي هو ليس فقط فعل الاغتصاب او عليه ان يتضمن القوة البدنية، بينما هو أي فعل، او اتصال، او استغلال جنسي يحدث بطريقة غير توافقية، أي من دون موافقة الطرف الآخر. يمكن ان يتخذ أشكالاً عدة، مثل الاستغلال عبر الانترنت، الاستدراج، الإكراه، ارسال صور اباحية، اللمس، التلاعب، التهديد والتسميع بالكلام وغيرها من الأشكال. كما ويمكن أن يحدث لأي شخص، كالزوج، الزوجة، الشريك، الأولاد والأطفال، المعارف أم الغرباء.
تأثير العنف الجنسي هو ليس فقط على الجسم، وإنما على العقل ايضاً، اذ يمكن ان يغير شكل الدماغ وخاصة إذا ما اختبر الفرد العنف الجنسي في سن الطفولة.
الافراد الذين تعرضوا للعنف الجنسي، يمكن ان يختبروا تأثيرات فورية كالأوجاع والجروح الجسدية، الحمل الغير متوقع، الأمراض المنقولة جنسياً وغيرها. أما بالنسبة للتأثيرات طويلة المدى، يمكن للفرد ان يختبر اضطراب ما بعد الصدمة، الاكتئاب المرضي، اضطراب القلق، التعلق بالكحول والمخدرات، إيذاء الذات، الألم الجسدي المستمر وغيرها. مع العلم ان ليس كل الأفراد يختبرون التأثيرات ذاتها وان اختبروا فليس بالطريقة نفسها.
ايضاً يمكن ان يشعروا انهم منفصلين عن جسمهم وهذه واحدة من الآليات التي تساعد الدماغ علـى استيعاب ما حصل والتكيُف مع الألم. كما وانهم يمكن ان يشعروا بالعار والخجل والذنب وهذا يؤثر على القيمة الذاتية والثقة بالنفس عند الفرد، لسبب الخوف وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى صعوبة ببناء علاقات صحية وحتى صعوبة بإيجاد التوازن الصحي في الحياة الشخصية والعملية.
السؤال المهم طرحه هنا، “هل كل الأفراد الذين اختبروا العنف الجنسي، يتكلمون عما جرى؟”، للأسف لا، وحتى يومنا هذا مع الأخذ بعين الاعتبار، التوعية والانفتاح اللذان يحدثان في عالمنا. والذي يقف أمام التعبير هم مشاعر الخوف، العار والذنب، الخوف من الرفض والوصمة، والتمييز، نشر الأحداث في المجتمعات وعدم التصديق أو تقديم الدعم. وهنا نشمل الضحايا الأطفال والبالغين، مع العلم أن ٩٠٪ من المعتدين جنسياً هم يكونون من المعارف وليس الغرباء.
فإلى متى سنستمر بالسكوت والخوف من ردة فعل الآخر؟ او إلى متى سنبقى جهّال بالاستماع وتقديم الدعم في حينه؟ وهذا يشمل عدم إصدار الأحكام على الآخر.
كيف نقدم المساعدة؟ اولاً بالسماح بالتكلم والاستماع الفعال، لنضمن المساحة الآمنة للتعبير. وهذا يعني قدرتنا واستعدادنا على تصديق الأمور وتقبلها من دون فرض الأحكام وإلقاء اللوم، بل الاحترام والحفاظ على السرية. وإذ لم نكن مستعدين، فوجودنا قربهم يكفي. الوجود والدعم العاطفي هو من أكثر الأمور التي يكون الفرد بحاجة إليها، لأننا نحن البشر نلتمس الامل والاستمرارية بالتواصل مع الآخر، فإن أولى احتياجاتنا بعد المرور بتجربة أليمة، هي التماس التواصل الحقيقي مع الآخر، وان لم نجده، هذا يمكن أن يقود إلى سلوكيات مؤذية للنفس.
إضافةً للدعم العاطفي والمعنوي، توعية الضحية لخدمات الطوارئ، خطوط المساعدة في وقت الأزمات والتزويد بشبكات الدعم المختصة، كالمعالجين ومراكز الدعم، لا شك بانها ضرورية وتقدم المساعدة اللازمة.
في الختام، إلى متى موضوع العنف الجنسي، سيبقى “محرم” ومن الممنوع التكلم به علانيةً؟ أليس لهذا السبب انه ما زال يأخذ مجراه بكثرة إلى يومنا هذا؟ ولا زلنا نخجل بالتحدث مع أولادنا بالثقافة الجنسية.
الحل الذي علينا أن نبدأ به الآن، هو داخل بيوتنا، في تربيتنا وحديثنا مع أولادنا عن التوعية الجنسية، سوف تقولون إنه ليس بالأمر الهين، صحيح، ولكن قدرتنا على استجماع قوتنا كأهل، وتحدي معتقداتنا الخاطئة، سوف يقودنا الى نتيجة ومستقبل أفضل، لأن لبناء مجتمعات أفضل، نحتاج للتربية الأفضل.