كم من مرة أغمضنا عيوننا، وحلمنا بالوقت الذي فيه نبني أسرتنا الخاصة: “جالسين مع شريكنا الى جانب أولادنا الاثنين، الثلاث او أكثر، يلعبون مع بعضهم البعض والضحك يملئ وجوههم”؟
ان كنت تقرئين هذه المقالة، فلا بد ان هذا الحلم أصبح حقيقية! لذا، اهلاً وسهلاً في المرحلة الجديدة من الحياة.
كثيرة وصعبة هي الأسئلة التي نطرحها ونفكر بها، عن المستقبل، عن حياتنا، عن اجسادنا وقدرتنا للتحمل، عن أصدقائنا وحياتنا الاجتماعية، عن علاقتنا ووقتنا مع الشريك، عن كيفية التربية والتصرف… فإن عدم معرفة الخطوات التالية، امرٌ يربكنا، لأننا لا نعلم كيف نتعامل مع المجهول، خاصة اننا في لحظة واحدة، أصبحنا مسؤولين ليس عن أنفسنا فقط، بل عن كائن صغير يعتمد علينا اعتماداً كلياً.
دعيني اشاركك اولاً بقصتي مع رحلة الامومة. انا شخص مستقل، ادير اموري بحرية، واصرف وقتاً طويلاً في عملي. الحمل لم يوقفني عن العمل، بل عملت حتى الأسبوع الأخير من الولادة، أتذكر ان في النهار الذي ما قبل الولادة انني كنت اضع المواعيد للأسبوع القادم وأنسق اجتماعات مع افراد مختصين، ولكن دخول المشفى في اليوم التالي كان من غير المتوقع. في الأيام الثلاث التي قضيتها في المشفى لم أكن بعد على وعي كامل لهويتي الجديدة، اذكر في اللحظة التي وصلت فيها للبيت، أني انهمرت في البكاء وكأن كل شيء كان غريباً وانظر اليه لأول مرة. ومن هنا ابتدأت رحلتي مع الحياة الجديدة والدور الجديد، والتقبل ان وقتي الخاص ليس ملكي بعد الان. رغم أني كنت اريد طفلة، اردت ان أصبح ام، وأحببت ابنتي كثيراً، ولكن التعامل مع كل المتغيرات، كان امر جداً صعب. استمرت الحياة، اختبرت ليال سيئة وليال أفضل، وتعلمت أمور جديدة.
وقوف الأشخاص الداعمين الى جانبي لتقويتي، كان مقدراً فعلاً، ولكن الصعوبة لم تختفي. كنت اريد ان يمر الوقت بشكل أسرع لكي أرى “المرحلة الجميلة والاقل صعوبة” من الامومة، كما وصفها البعض.
اذكر ان بعد مرور اول ثلاثة أشهر، استطعت ان اشعر ب “مرحلة الأقل صعوبة وبداية الاستمتاع”.
وهكذا مرت الشهور، ابنتي كانت تكبر وتتغير، انا اعتاد على هويتي كأم ومهامي الجديدة، وكنت اتعلم في كل مرة، الصبر.
تعلمت كيف أقدم الحب حتى وان كنت اشعر بتعب شديد، تعلمت ان أقدم من نفسي ووقتي حتى ولو كنت اريد بشدّة وقت خاص لي، وايضاً تعلمت كيف ابني اسرتي وان كنت اختبر مشاعر الضعف والخوف. وفي ظل هذه جميعها، تعلمت كيف اعيد الاهتمام بنفسي لأحافظ على ذاتي، ولأستطيع ان أقف قوية مع ابنتي.
يمكن لقصتك ان تكون مختلفة ام مشابهة لقصتي، ولكن في كلتا الحالتين، اصبحتِ أم، تعلمت الكثير، والذي مررتِ به مهم ولا يقدر بثمن.
الامومة هي فصل آخر من الحياة، كم نعطيها، تعطينا. نعطيها نظرة متشائمة، تعطينا اولاداً يملاهم شعور الغضب وسلوكيات عنيفة، نعطيها حب واهتمام، تعطينا اولاداً شغوفين ومستقرين عاطفياً.
لذا، اعتني بنفسك! ولا تهمليها! ان كان حولكِ اشخاص داعمين ام لا، وان كانت ظروفك جيدة ام لا، لديك كل الحق بالاهتمام بنفسك. فبالرغم من دور الامومة الجديد، فانت امرأة، كيان مستقل، فريدة ومميزة.
هناك دائماً خطوات تساعدنا لنريح أنفسنا مهما كانت الظروف، سأشاركك ببعض من هذه الخطوات، والتي انا شخصياً اتبعتها، ساعدتني لكي استجمع قوتي:
التفكير بان حياتي لن تعود كالسابق، ليس لدي كل الوقت لنفسي، وان لديّ مسؤوليات جديدة، كان يقيِدُني، لذا قررت ان أفكر بطريقة مختلفة: “كم كنت اريد ان أصبح أم وكم أحب ابنتي، على الرغم من صعوبة الواقع ولكنه لن يستمر هكذا. والى ان تمر هذه المرحلة، سوف أصب تركيزي بتقدمة العطاء لها لأنها يوماً ما وهو قريب، لن تحتاجني بهذه الطريقة”.
التفكير فقط بصعوبة الامر، زاد من صعوبته أكثر، لذا نسقت افكاري بهذه الطريقة: “سوف تمر أيام صعبة، وايضاً أيام جيدة / ليال صعبة، وليال جيدة، لذا سأستمتع وأعيش الأيام والليال الجميلة والخفيفة، وفي الأيام والليال الصعبة، سأعطي ابنتي (حب، وقت، حملها أكثر…) وأساعدها على تخطيها، لأنها هي ايضاً تفعل ما بوسعها لكي تشعر بالارتياح!”
الذي أقدمه لها الان، سيستمر طوال رحلة حياتها، فانا ابني واستثمر بعائلتي وأولادي لكي يكون باستطاعتهم ان يقدموا ويعيشوا الأفضل، لذا الان سأقدم ما بوسعي، ما دمت قادرة عليه.
فكرة انني انحرمت من طاقتي ووقتي، لم تساعدني بشيء، لذا تدربت على التفكير بالطريقة التالية: “وجودها في حياتي، هو عطية كبيرة، من المنطق أني لن أكون حرة تماماً في وقتي، ولكن هذا لا يعني انه لا يمكنني إدارته!، لذا سأدرس وقتي جيداً وآخذ وقتاً لنفسي كلما استطعت او عندما تتوفر لي الفرصة.
تعلمت ان اطلب المساعدة، وعلمت ان هذه الطلبة ليست مستحيلة وحقي ان لا استحي بها! لأنه من حقي ان ارتاح قليلاً، فهذا يمكّنني من ان استرد طاقتي لاستمر في العطاء.
دربت نفسي ان لا اكبت مشاعري وان أتكلم واعبر عن الذي أفكر واشعر به، حتى وان كانت هذه الاقوال والمشاعر ليست جديدة وقد تكلمت بها من قبل، فان التعبير لشخص نثق به وداعم لنا، يساعدنا لنختبر التحسن، كما وإيجاد الحلول المناسبة والتفكير بطريقة مختلفة لمصلحتنا، لذا، التعبير وثم التعبير وثم التعبير.
في كل مرة كنت ابحث عن حل يريحني ١٠٠٪، كنت أفشل، لذا تعلمت ان أفكر بطريقة تريحني ١٪ وتساعدني ان اشعر بتحسن ١٪، فان هذه الطريقة تشجعنا بان لا نستسلم ولا نفشل في التجربة. وكنت في كل مرة احقق الهدف، ازيده ليصبح ١٠٪.
تعلمت ان لا استسلم ولا أهمل الانسان الذي كنت عليه، بسبب الدور الجديد الذي انضاف الي!، لذا كنت اكافح كي استمر بالطريقة التي كنت عليها والتي نفسها تدعني اشعر بارتياح وأكون ممتنة بنفسي.
تقبلت ان افكاري واولوياتي تغيرت، وهذا امر طبيعي، كما واني أصبحت انظر الى بعض الأمور بطريقة مختلفة. وتقبل هذا الامر جعلني أنمو وأنضج فكرياً أكثر وازيد من الوعي الذاتي.
حاربت في داخلي، معتقدات المجتمع وتوقعاته. احدى هذه التوقعات هي ان نكون مثاليين في كل شيء، مما يعني ان نكون خارقين! وهذا من المستحيل ان يتحقق، لماذا؟ الإجابة بسيطة: لأننا بشر. حتى بدَور واحد لا يمكننا ان نكون مثاليين، فان المثالية ليست موجودة، ولكن ان نسعى للأفضل، فهذا يعلمنا ويزيدنا فهماً. لذا عزيزتي، ان نهتم بعائلاتنا، واطفالنا، وعملنا، وبيوتنا على أكمل وجه، دون طلب المساعدة، والاتكال على اشخاص اخرين ببعض الأمور والتراجع قليلاً ببعض الأمور، لا يمكن ان يكون. فكوني انت! واعملي الأفضل حسب ترتيب اولوياتك!
في النهاية، جهدك لا يقدر بثمن، قيمتك غالية جداً ولا تشكي في هذا الامر! لذا من حقك ان تدافعي على ما هو الأفضل لكِ ولعائلتك – تشجعي وتكلمي لأنك تستحقين ولأنك تعرفين!
أتمنى ان تكون هذه الرسالة اعطتكِ القوة للتقدم والدعم لتستمري.